الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

7

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وفيها من عبر تاريخ الأمم والحضارة القديمة وقوانينها ونظام حكوماتها وعقوباتها وتجارتها . واسترقاق الصبي اللقيط . واسترقاق السارق ، وأحوال المساجين . ومراقبة المكاييل . وإن في هذه السورة أسلوبا خاصا من أساليب إعجاز القرآن وهو الإعجاز في أسلوب القصص الذي كان خاصّة أهل مكّة يعجبون ممّا يتلقّونه منه من بين أقاصيص العجم والروم ، فقد كان النضر بن الحارث وغيره يفتنون قريشا بأنّ ما يقوله القرآن في شأن الأمم هو أساطير الأوّلين اكتتبها محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم . وكان النضر يتردّد على الحيرة فتعلّم أحاديث ( رستم ) و ( إسفنديار ) من أبطال فارس ، فكان يحدّث قريشا بذلك ويقول لهم : أنا واللّه أحسن حديثا من محمّد فهلمّ أحدّثكم أحسن من حديثه ، ثم يحدّثهم بأخبار الفرس ، فكان ما في بعضها من التّطويل على عادة أهل الأخبار من الفرس يموّه به عليهم بأنّه أشبع للسامع ، فجاءت هذه السورة على أسلوب استيعاب القصة تحدّيا لهم بالمعارضة . على أنّها مع ذلك قد طوت كثيرا من القصة من كلّ ما ليس له كبير أثر في العبرة . ولذلك ترى في خلال السورة وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ * [ سورة يوسف : 56 ] مرتين كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ [ سورة يوسف : 76 ] فتلك عبر من أجزاء القصة . وما تخلّل ذلك من الحكمة في أقوال الصّالحين كقوله : عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ [ سورة يوسف : 67 ] ، وقوله : إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [ سورة يوسف : 90 ] . [ 1 ] [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 1 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ ( 1 ) الر . تقدم الكلام على نظائر الر ونحوها في أوّل سورة البقرة . تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ . الكلام على تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ مضى في سورة يونس . ووصف الكتاب هنا ب الْمُبِينِ ووصف به في طالعة سورة يونس بالحكيم لأنّ ذكر وصف إبانته هنا أنسب ، إذ كانت القصّة التي تضمّنتها هذه السّورة مفصّلة مبيّنة لأهمّ ما جرى في مدة